بن عيسى باطاهر

117

المقابلة في القرآن الكريم

وتعتمد هذه الآيات في طريقة عرضها على المقابلة والمزاوجة بين الأشياء ، وهي الطريقة التي كان لها الفضل في بيان هذه القيم المعنوية والدينية ، لقد قابلت الآيات في الجانب الأول منها بين البراءة التامة من المشركين والولاية للّه ولرسوله ، وقابلت في الجانب الثاني منها بين فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وبين وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ وهي مقابلة تهدف إلى وضع قضية الولاء والبراء من المشركين مرتبطة بما يؤول إليه حالهم بعد هذا الإعلان القرآني ، وفي ذلك دليل على سماحة القرآن وعدله . وقال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ [ التوبة : 23 - 24 ] . تفيد هاتان الآيتان مجموعة من القيم الدينية والفكرية والأخلاقية وهي قيم تستفاد من طرق العرض التي يختارها السياق القرآني لأداء المعاني ، ومن أبرزها طريقة التقابل وعقد التضاد بين المعاني المختلفة ، فمن هذه القيم ما يلي : أولا : تتحدث الآيات عن الولاء والبراء في مظهرين من مظاهرهما ، وهما مظهر العبادة ، ومظهر النصرة والعون وربط المصير بالمصير ، أما مظهر العبادة فيظهر في اتباع الهوى ، وحب أحد هذه الروابط الثمانية وهي الآباء والأبناء والإخوة والأزواج والعشيرة والأموال والتجارة والمساكن ، وهذا الحبّ والاتباع يأتي في مرتبة لا تليق إلا باللّه وحده ، فهو المقصود وحده بالحب وأيضا رسوله والمؤمنون ، فالولاء لهذه الروابط يعني الخروج من دائرة العبادة التي ينبغي أن يقصد بها وجه اللّه وحده . أما المظهر الثاني وهو النصرة والعون وربط المصير بالمصير فيظهر في الغاية من هذا الحبّ وهي أن بعض المسلمين كان يخشى